الآذان هو الوسيلة التي تَميّز بها الدين الإسلامي في إعلان وقت الصلوات والنداء لها ، وإن كنت مقيماً في بلد يُرفع فيه الآذان فأنت تستمع لذات العبارات تتكرر 5 مرات في اليوم والليلة ، وبحسبة بسيطة ، نجد أن “الله أكبر” لوحدها تتردد على مسامعنا كل يوم 30 مرة بواقع 6 مرات في كل آذان ، ويزداد هذا الرقم ليصبح 50 إن أضفنا له مرات التكرار الأربع في كل إقامة .
التكرار في أي شيء يدل على التوكيد والأهمية ، وهو وسيلة التعلم الأولى التي تعلمنا بها القراءة والكتابة ، وهو أداة التذكر التي تتحول بها المعلومات من الذاكرة القصيرة إلى الذاكر طويلة الأمد ؛ وهو أسلوب التربية والنصح والإرشاد ؛ فكل الآباء يعلمون أن غرس القيم والعادات الإيجابية في نفوس أبنائهم عاد لا يتم من أول مرة ولا من ثاني أو ثالث أو حتى من عاشر مرة ، فهي عملية ديناميكية مستمرة تتطلب وقتاً وجُهداً وصبراً !
إن سمعت والدك يكرر قول : افعل كذا أو لا تفعل كذا ، تعلم أن هذا الأمر هام ، وإن طلبت منك والدتك أو زوجتك أن تشتري اللبن وأكدت عليك أكثر من مرة ، فيستحسن بك ألا تنسى اللبن أبداً.. وإلا !
فما بالك بهذه الجملة المرتبطة في جوهر ديننا ، والتي تتكرر على مسامعنا عشرات المرات كل يوم ليل نهار وبلا توقف ؟ ألا يعطيها هذا أهمية بالغة ، ويجعل من الواجب علينا التفكر فيها وتأملها جيداً لنفهم العبرة منها ونأخذ الفائدة ؟!
عندما بدأت أبحر في عالم التنمية البشرية والتطوير الذاتي ، وجدت أن التوكيدات Affirmations تشكل جزءاً أساسياً لا يتجزأ في كثير من مدارس التنمية وتقنياتها ، وخصوصاً تلك التي تهتم بعلوم الوعي وأعماق النفس وتسعى لبرمجة الأفكار والقناعات الإيجابية فيها ، إيماناً منها بأن أي تغيير في السلوك منبعه تغيير الفكر والاعتقاد . وقد أخذت بعض تلك المدراس موضوع التوكيدات لأبعاد غير مسبوقة وادّعت أنها بحد ذاتها حل وعلاج حقيقي لكثير من الأمراض والأعراض النفسية والجسدية ، وسواءً أتفقنا أم اختلفنا معهم ، ستجد أن أهم سبب لنجاح تلك التوكيدات هو الاعتقاد التام بفعاليتها والإيمان بها كوسيلة للنجاح ؛ فيجب أن تعدو عن كونها مجرد تمتمات شفهية فارغة وتتحول إلى اعتقادات شعورية عميقة وقوية .
لعل “الله أكبر” هو أهم وأعظم توكيد في الحياة اليومية والعملية والروحية ، ولذا وجب أن نكرره بشكل مكثف يومياً ، التكرار جيّد ولكنه وحده لا يكفي ولن يُجدي ، هو نصف الطريق واستشعار التوكيد بعمق وجعله محوراً أساسياً في حياتنا هو نصفه الآخر ، هو المادة الأساسية في التفاعل ، ولكن فيض الاعتقاد والإيمان هو ما سيحفز هذا التفاعل وبدؤه ، هو فكرة لن تتحول إلى أسلوب حياة إلا بالتفكّر والتأمل .
مهما كانت همومك كبيرة ، ففضل الله أكبر
مهما كانت ديونك كبيرة ، فكرم الله أكبر
مهما كانت مشاكلك كبيرة ، فعدل الله أكبر
مهما كانت أموالك كثيرة ، فما عند الله أكبر وأكثر
مهما كانت سعادتك كبيرة ، فالله قادر على أن يزيدك أكثر وأكثر
مهما كان طموحك كبير ، فما يخبئه الله لك أكبر وأجمل
مهما كان علمك كبير ، فالله أعلم وأكبر
كلما تأملنا فيها ، وجدنا معانٍ أكثر وأعمق تشمل جميع جوانب حياتنا ، وفوائد كبيرة تشمل كل ما نمر به من مواقف وتحديات ونجاحات ، وكأنها مفتاح “الماستر كي” القادر على فتح جميع الأبواب ولكن في هذه الحالة على المستوى الطاقي والنفسي .
“الله أكبر” تعيد ضبط الفكر والسلوك للمركزية الإلهية بحيث يكون الله هو مركزيتك الحقيقية في حياتك ، تماماً مثل زر إعادة الضبط Reset الذي يعيد ضبط إعدادات الجهاز إلى وضعية الصُنع الأولى الأساسية .
“الله أكبر” توكيد بأن الله أكبر من كل شيء ، كي تطمئن قلوبنا وتهدأ نفوسنا ، وتتجدد عزيمتنا .
“الله أكبر” تذكير بأن الله أكبر من كل شيء ، حتى لا ننسى ولا تنسينا الحياة ذلك ، وحتى نتوجه له فقط بالدعاء والطلب والأمل .
“الله أكبر” تقرير بأن الله أكبر من كل شيء ، وعدله أعظم وأشمل ، وبأنه هو الحق وقد خلق هذا الكون بالحق ، حتى لا نيأس ولا نحزن عندما نرى أنواع الشرور والمعاناة ، فهي كذلك تقع ضمن اسم الله الحق ، وفيها عدل وحق حتى لو لم ندركه نحن بمنظورنا البشري القاصر .
“الله أكبر” تجديد أمل وعزيمة ، وشحن طاقة من المصدر الذي لا ينضب ولا تنفد كلماته وآياته ورحماته .
لـ “الله أكبر” سر لا يعرفه إلا من جربه واستشعر قوته وعظمته ، ومفتاح لعوالم لن يدرك روعتها إلا من دخلها وعاشها .
وأمل كبير يتجدد ، بأن القادم أجمل وأروع وأمتع وأيسر ، فإن كان همّك في اليوم مرة ، تذكّر أن “الله أكبر” خمسين مرة !
###
سائد يونس